-->

عبد الجليل الحافظ: جمالية الموت في (قارع الطبل وطائر الليل) لناصر الجاسم

جمالية الموت في 

(قارع الطبل وطائر الليل) للقاص والروائي 

ناصر الجاسم في مجموعته (العبور)





بقلم: عبد الجليل بن عباس الحافظ

تعتبر اللحظة الأخيرة من حياة الإنسان لحظة حاسمة، ليس للإنسان الميت فقط بل الجماعة المحيطة به، فهي نقطة تحول من حياة لأخرى بالنسبة لهم، وهي لحظة انطفاء في الوجود بالنسبة للميت، ويدور حولها صراعات الإنسان ومآله، فهي النقطة العمياء التي تثير الخوف والخشية والخضوع، هي اللحظة التي تحدى بها الخالق الإنسان، هي لحظة الانكسار، التي تعامل معها الإنسان من فجر الخليقة بطرق عدة، وأشكال شتى، فتأمل فيها، ماذا يصنع بعدها؟ وماذا يفعل قبلها؟، كيف تكون؟ وكيف نصير بعدها؟، وماذا يجري لمن حولنا؟ وما هي مآلاتنا؟

ومن المجالات التي عالج فيها الإنسان هذه القضية مجال الأدب في الشعر والحكايات والسرد عمومًا، ويعنينا هنا في هذه السطور أن نتناول كيف تعامل القاص السعودي – من خلال نماذج محددة – مع فكرة الموت، كيف عالجها ونظر إليها، وفق كونها حدث اجتماعي أو حدث فردي ورؤيته لها، وزوايا النظر إليها.

يكاد ألا يخلو كاتب قصة من ذكر الموت في نص من نصوصه أو الإشارة إليه من بعيد أو قريب، فالموت من القضايا الرئيسة في حياة الإنسان، وهي تجربة عاشها الجميع، وكان لها بصمة أثرت في مسيرة حياتهم، ومن هنا تبرز أهمية هذه القضية التي هي جوهر الحياة.

إن "الموت ... حادث من نوع مختلف ... إنه حادث الحوادث، ليس مثلها جميعًا، إنه - بالنسبة لنا أو لغيرنا - حادث عنيف يكسر إيقاع الحياة الرتيب نسبيًّا، وليس هذا فقط بل إنه يوقف دورتها، ويجعلها تقف جامدة عند تاريخ يستحيل أن تتحرك بعده، ولا تتقدم قيد أنملة"  لنعرف من خلال هذا المنظور الجو العام الذي تنطبع فيه النصوص، وخصوصًا لتلك الشخصية التي يحدث فعل الموت بين يديها، أو حينما يستل منها الموت من تحب ويجعلها تهيم في هذا الوجود.


الموت كونه انقطاع للإيقاع الجمعي وبناء للأسطورة وسقوط الرمزية


في قصة قارع الطبل وطائر الليل من مجموعة العبور لناصر الجاسم.


يقدم لنا ناصر الجاسم قصته حول الموت من خلال ليلة احتفالية لها طقوسها الجمعية، من خلال رقصة العرضة السعودية الشهيرة، " الراقصون يدكون الأرض بأقدامهم.. الجيوب مفتوحة وأنوار العرس والعرق يسحان على الثياب وعلى ساحة الرقص"  هذا الطقس الجمعي لا يرضي قائدهم قارع الطبل "هتمي" والذي يرى أن الجيل الجديد يخالف القوانين التي يسير عليها نظام العرضة فلم يكن هتمي "راضياً عن أداء الراقصين السريع فهو يشبههم براقصي الديسكو.." فلقد "حاول كثيراً طردهم من العرضة لكنهم فرضوا أنفسهم عليها"  وبسبب هذا الرفض كان هتمي يستمد حياته وحين فرضوا أنفسهم عليه ولم يستطع طردهم "يسقط هتمي ميتاً في الساحة ويتدحرج الطبل من يده"  ذلك أن هناك طائر مجهول هو "طائر الليل" الذي كان يجول في السماء كل ليلة يكون فيها هتمي قارعًا للطبل لمدة خمسين عامًا فهتمي منذ "(خمسين) سنة وهو قارع الطبل الأمثل بالقرية.. لا أحد يجرؤ على حمل الطبل وهو موجود..  الفرصة السانحة إذا مرض أو غاب ونادراً ما يغيب أما إذا مرض تحامل على نفسه وأمسك بالطبل"  وفقد الناس هذا الطائر بعد موت هتمي فـ " لم ير الناس ذلك الطائر.. فقد حاول ورثة هتمي في قرع الطبل إظهاره لهم لكنهم فشلوا ولم يعد أحد في القرية بعد ذلك ينظر إلى السماء متحرياً رؤية الطير والعرضة مقامة".

فـ"هتمي" في هذا الحدث ليس فردًا عاديًا فهو قارع الطبل الذي شكل مع طائر الليل أسطورة ونموذج لإحلال قوانين طقس هو طقس العرضة الأسطوري الحقيقي الذي يفتتح الحروب – التي هي الموت - قبل أن يفتتح الزواج الذي هو صناعة حياة جديدة أي مضاد للموت، كان هتمي المؤتمن على هذا الخيط الرفيع بين الموت والحياة، وكانت العلامة هي طائر الليل، كان عليه أن يجعل العرضة تسير وفق ميزان لا يمكن مخالفته لمدة خمسين عامًا وحين مخالفته لمرة وحيدة سقط "هتمي" ميتًا.

فانهارت الأسطورة ورمزيتها المتعلقة بهتمي، حاول الآخرون من بعد هتمي أن يوجدوا هذه الرمزية وأن يصنعوها، فتناوبوا على قرع الطبل وكان الآخرون يتحرون ظهور "طائر الليل" وطبل العرضة يقرع ولم يحضر في كل ليلة حتى أدركوا أن العهد الذي كان يُحضر هذا الطائر انتهى بموت "هتمي".

ولم يكن موت "هتمي" موتًا فرديًا بذلك بل كان انهيارًا للجماعة حيث "العريس ريزان يغادر المخيم المنصوب منكس الرأس محوقلاً تارة ومهمهماً تارة أخرى"  فموت قارع الطبل في ليلة عرسه هو نذير شؤم عليه وعلامة فارقة في تاريخ الجماعة، حيث سيؤرخ الحدث بغياب الأسطورة وانتهاء الرمز في ليلة زفافه، وكان موت هتمي حدثًا جمعيًا وخبرًا يتم تناقله.

وهنا لا يتم النظر إلى الموت وقوانين العرضة وطائر الليل كونه حدثًا اجتماعيًا عاديًا، بل ينظر إليهما بصفة رمزية مختلفة، وهي أن المجتمعات تنتظمها قوانين وأسس وهناك قائمين على تنفيذ هذه القوانين فإذا تخلى القائم على هذه القوانين وتراخى عن آدائها للحظة واحدة تنهار هذه المجموعة من القيم والقواعد مما يؤدي إلى انهيار الجماعة، ولا يمكن للآخرين إعادة البناء وإيقاف عجلة الزمن بدليل أنهم حاولوا إرجاع طائر الليل "الرمز لهذه القوانين" بعد وفاة "هتمي".

وكذلك فإن حالة الموت لهتمي واختفاء الطائر رمز لانتهاء حقبة اجتماعية بما تحمله من عادات وتقاليد يمثلها "طائر الليل" ومن هو حارس قديم لهذه القيم والعادات ويمثلها "هتمي" وحالة الموت هي انتهاء هذا الحرس القديم وولادة جيل جديد يحمل قيم أخرى وتقاليد مختلفة تتواكب مع العصر ورتمه السريع بدلالة قوله: " لم يكن هتمي راضياً عن أداء الراقصين السريع فهو يشبههم براقصي الديسكو"  وما محاولة البعض في أن يبحثوا عن طائر الليل في رقصة العرضة إلا محاولة منهم للإبقاء على النظام القديم، لكنهم في الأخير استسلموا للتيار الجديد.


TAG

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق

I am happy to read your opinion or suggestions

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *