-->

تأتأة الخفقة- قصة قصيرة- ناصر الجاسم

تأتأة الخفقة



عناقيد الخوف تتدلى في القلب الموقوت.. تتزاحم لتفرّ من سجن الألم.. الخفقان يضرب الضلوع ضربات قوية متتابعة.. يريد أن يهشّم القضبان المقوسة ويهمد.. ملّ القلب الخفقان للحظات طويلة.. خفقانه للحب.. للخوف.. للفقد.. للموت.. للجمال المنظور وغير المنظور.. وللموصوف بألسنة الشعراء الكاذبين والمجاهرين بذنوبهم.. الخفقة الطبيعية دليل السلامة والخفقة غير الطبيعية دليل الاختلال.. بِمَ أفسّر نسياني المواعيد والتواريخ؟ كل عنقود خوف يتدلى يعطل خلية من خلايا الذاكرة.. وكل خفقة تسقط ناضجة من العنقود تُنسيني موعداً وتاريخاً.. هذه العناقيد قادرة على الرسم.. ترسم على الثرى مقابر.. سيوفاً.. بقعَ دماء.. من يسقي الشجرة العظيمة المثمرة والخفقان يهزها؟؟ ستشرب الخفقات كل الماء وما بعد الماء.. ألذّ خفقة تلك التي تضعك على حافة الموت..  تريك الموت ولا تهبك إياه.. كل الخفقات ترسم لك وهم الخلاص وتجعلك تنتظر..


قال مالك وهو يتأتئ: أول خفقة استشعرتها كانت بسبب قصيدة غزل تلاها معلم اللغة العربية وهو مغمض العينين.. مادّ اليدين.. يتلوى أمامنا.. تلاها وهو يُخرج الألم والتأثر من فمه ويرش به وجوهنا المشتاقة إلى نبتات الشَّعر.. كل قلب يخفق وهو يتلوى.. لقد رأيت حاجبه أسفل صدره يعلو وينخفض.. لم أكن أتصور أن معلماً سيبكي أمام طُلابه ويكتبُ على لوحهم المدرسي وصيته.. لقد رسمتْ خفقات قلبه وكُتبتْ بخط مضطرب لم نعهده منه وهو المعروف من بين معلمي المدرسة بجمال خطه: إذا متُّ في بلادكم غطوا عظامي بعشب أخضر مرّ عليه كعب امرأة لم تحبل!! وبعد ذلك توالت الخفقات مع توالي نبت الشَّعر في وجهي.. وبدأ يتساءل: ما الرابط بين نبت الشَّعر في الجسم وبين الخفقات؟.. أيهما أكثر خفقات الرجال أم النساء؟ من الذي تميته خفقات قلبه النساء أم الرجال؟ هل يوجد كذب في الخفقات؟ ومتى تكذب الخفقة؟


واصل مالك تأتأته واضعاً يده على قلبه: أنا لم أحب تأتأتي يوما ما ولكن حين ضحكن عليها الفتيات الثلاث الملثمات أحببتها وخفق قلبي الخفقة الثانية في تاريخه! أترى الإناث مسؤولات مسؤولية مباشرة عن مولد الخفقات؟ مالك أيها المتأتئ المؤنس.. الجمال وحده أيقظ خفقات قلبك.. وما الجمال إلا وارث للخوف.. وما الخوف إلا خفقان متصل.. الجمال لا يموت ما دامت العيون ترى والشَّعر ينبتُ.. والخوف لا يموت ما دام في الوجود أنثى وعشب أخضر.. والخفقان خالد خلود الإنسان.. ميت بموته.. لا تشكّ في خفقه قط.. كل الخفقات صادقة والقلب الذي لا يخفق قلب مريض يشفى بالخفقان.. تتدلى عناقيد الخوف في قلب مالك.. تضطرب خفقات قلبه.. ينتشل يدي من حجري ويضعها على قلبه.. يضمّها براحيته ويضغط عليها بقوة وعيناه ثابتتان.. التفتُ إليه.. امتدتْ تأتأته امتداد عمر اللحظة.. نطق أخيرا بوضوح بعد أن سحب نفَساً عميقاً: انظر.. أنثى معلمنا التي لم تحمل.. ها هي ذي هناك تمشي بكعبها على العشب الأخضر.. قام مالك راكضاً يجمع العشب المداس وأخذ قلبي يخفق وبدأت الشجرة العظيمة في الاهتزاز..
***
ناصر سالم الجاسم

TAG

ليست هناك تعليقات

إرسال تعليق

I am happy to read your opinion or suggestions

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *